محمد محمد أبو موسى
609
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
المراد : أتتخذون من دونه آلهة ان يردكم الرحمن بضر لا تغنى عنكم شفاعتهم شيئا ولا ينقذوكم ، انكم اذن لفى ضلال مبين ، ولذلك قيل : « إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ » دون « بربى » وأتبعه « فَاسْمَعُونِ » ، ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض الا إذا نظرت إلى مقامه ، وهو تطلب اسماع الحق على وجه لا يورث طالب دم المسمع مزيد غضب ، وهو ترك المواجهة بالتضليل ، والتصريح لهم بالنسبة إلى ارتكاب الباطل ، ومن هذا الأسلوب قوله تعالى : « قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ » « 43 » والا فحق النسق من حيث الظاهر : قل لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون . وكذلك ما قبله : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » « 44 » وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف » « 45 » . وهذا مأخوذ من الكشاف وقد بيناه في موضعه « 46 » . * * * التعبير بالمضارع عن الماضي : وقد أخذ السكاكى بيان سر هذه الطريقة من تحليل الزمخشري . يقول في قوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » « 47 » : « قال : « فَتُثِيرُ » استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض ، متكونا في المرأى تارة عن قزع ، وكأنها قطع قطن مندوف ، ثم تنضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما ، وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه ، أو ما ترى تأبط شرا في قوله : بأنّى قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران كيف سلك في « فأضربها بلا دهش » قصدا إلى أن يصور لقومه الحالة
--> ( 43 ) سبأ : 25 ( 44 ) سبأ : 24 ( 45 ) المفتاح ص 132 ، 133 ( 46 ) ينظر الكلام المنصف في الباب الأول من هذا البحث ص 382 وما بعدها . ( 47 ) فاطر : 9